تفسير ابن كثير تفسير الصفحة 198 من المصحف



تفسير ابن كثير - صفحة القرآن رقم 198

198 : تفسير الصفحة رقم 198 من القرآن الكريم

** كَالّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدّ مِنكُمْ قُوّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالّذِي خَاضُوَاْ أُوْلَـَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدنْيَا وَالاَخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ
يقول تعالى أصاب هؤلاء من عذاب الله في الدنيا والاَخرة كما أصاب من قبلهم, وقوله {بخلاقهم} قال الحسن البصري: بدينهم, وقوله {وخضتم كالذي خاضو} أي في الكذب والباطل {أولئك حبطت أعمالهم} أي بطلت مساعيهم فلا ثواب لهم عليها لأنها فاسدة {في الدنيا والاَخرة وأولئك هم الخاسرون} لأنهم لم يحصل لهم عليها ثواب. قال ابن جريج عن عمرو بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس في قوله {كالذين من قبلكم} الاَية, قال ابن عباس: ما أشبه الليلة بالبارحة {كالذين من قبلكم} هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم لا أعلم إلا أنه قال: «والذي نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل منهم جحر ضب لدخلتموه» قال ابن جريج: وأخبرني زياد بن سعد عن محمد بن زياد بن مهاجر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع وباعاً بباع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» قالوا: ومن هم يا رسول الله, أهل الكتاب ؟ قال «فمن ؟» وهكذا رواه أبو معشر عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: فذكره, وزاد قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم القرآن {كالذين من قبلكم} الاَية, قال أبو هريرة: الخلاق الدين {وخضتم كالذي خاضو} قالوا يا رسول الله كما صنعت فارس والروم ؟ قال «فهل الناس إلا هم ؟» وهذا الحديث له شاهد في الصحيح.

** أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيّنَاتِ فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـَكِن كَانُوَاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
يقول تعالى واعظاً لهؤلاء المنافقين المكذبين للرسل {ألم يأتهم نبأ الذين من قبلكم} أي ألم تخبروا خبر من كان قبلكم من الأمم المكذبة للرسل {قوم نوح} وما أصابهم من الغرق العام لجميع أهل الأرض إلا من آمن بعبده ورسوله نوح عليه السلام, {وعاد} كيف أهلكوا بالريح العقيم لما كذبوا هوداً عليه السلام, {وثمود} كيف أخذتهم الصيحة لما كذبوا صالحاً عليه السلام وعقروا الناقة, {وقوم إبراهيم} كيف نصره الله عليهم وأيده بالمعجزات الظاهرة عليهم وأهلك ملكهم نمروذ بن كنعان بن كوش الكنعاني لعنه الله, {وأصحاب مدين} وهم قوم شعيب عليه السلام وكيف أصابتهم الرجفة وعذاب يوم الظلة, {والمؤتفكات} قوم لوط وقد كانوا يسكنون في مدائن, وقال في الاَية الأخرى {والمؤتفكة أهوى} أي الأمة المؤتكفة وقيل أم قراهم, وهي سدوم, والغرض أن الله تعالى أهلكهم عن آخرهم بتكذيبهم نبي الله لوط عليه السلام وإتيانهم الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين, {أتتهم رسلهم بالبينات} أي بالحجج والدلائل القاطعات, {فما كان الله ليظلمهم} أي بإهلاكه إياهم لأنه أقام عليهم الحجة بإرسال الرسل وإزاحة العلل, {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} أي بتكذيبهم الرسل ومخالفتهم الحق فصاروا إلى ما صاروا إليه من العذاب والدمار.

** وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
لما ذكر تعالى صفات المنافقين الذميمة عطف بذكر صفات المؤمنين المحمودة, فقال: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} أي يتناصرون ويتعاضدون كما جاء في الصحيح «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» وشبك بين أصابعه, وفي الصحيح أيضاً «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» وقوله: {يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} كقوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} الاَية, وقوله: {ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة} أي يطيعون الله ويحسنون إلى خلقه {ويطيعون الله ورسوله} أي فيما أمر وترك ما عنه زجر {أولئك سيرحمهم الله} أي سيرحم الله من اتصف بهذه الصفات {إن الله عزيز} أي عز من أطاعه فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين {حكيم} في قسمته هذه الصفات لهؤلاء وتخصيصه المنافقين بصفاتهم المتقدمة, فإنه له الحكمة في جميع ما يفعله تبارك وتعالى.

** وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
يخبر تعالى بما أعده للمؤمنين به والمؤمنات من الخيرات والنعيم المقيم في {جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيه} أي ماكثين فيها أبداً {ومساكن طيبة} أي حسنة البناء طيبة القرار, كما جاء في الصحيحين من حديث أبي عمران الجوني عن أبي بكر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما, وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما, وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» وبه قال, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلاً في السماء! للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم لا يرى بعضهم بعضاً» أخرجاه في الصحيحين, وفيهما أيضاً عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان, فإن حقاً على الله أن يدخله الجنة هاجر في سبيل الله أو حبس في أرضه التي ولد فيها» قالوا: يا رسول الله أفلا نخبر الناس ؟ قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله بين كل درجتين كما بين السماء والأرض, فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة, ومنه تفجر أنهار الجنة, وفوقه عرش الرحمن» وعند الطبراني والترمذي وابن ماجه من رواية زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فذكر مثله.
وللترمذي عن عبادة بن الصامت مثله. وعن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الجنة ليتراءون الغرف في الجنة كما ترون الكوكب في السماء» أخرجاه في الصحيحين, ثم ليعلم أن أعلى منزلة في الجنة مكان يقال له الوسيلة لقربه من العرش وهو مسكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجنة, كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن ليث عن كعب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صليتم عليّ فسلوا الله لي الوسيلة» قيل يا رسول الله وما الوسيلة ؟ قال «أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل واحد وأرجو أن أكون أنا هو».
وفي صحيح مسلم من حديث كعب بن علقمة: عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص, أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ فإنه من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً, ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله. وأرجو أن أكون هو, فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة يوم القيامة» وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن علي الأبار, حدثنا الوليد بن عبد الملك الحراني, حدثنا موسى بن أعين عن ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلوا الله لي الوسيلة فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة» رواه الطبراني. وفي مسند الإمام أحمد من حديث سعد بن مجاهد الطائي عن أبي المدله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلنا يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها ؟ قال: «لبنة ذهب ولبنة فضة, وملاطها المسك وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت, وترابها الزعفران. من يدخلها ينعم لا يبأس ويخلد لا يموت, لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه» وروي عن ابن عمر مرفوعاً نحوه, وعند الترمذي من حديث عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة لغرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها» فقام أعرابي فقال: يا رسول الله لمن هي ؟ فقال: «لمن طيب الكلام, وأطعم الطعام, وأدام الصيام, وصلى بالليل والناس نيام» ثم قال: حديث غريب ورواه الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو وأبي مالك الأشعري كل منهما عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه, وكل من الإسنادين جيد وحسن, وعنده أن السائل هو أبو مالك الأشعري, فالله أعلم.
وعن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا هل من مشمر إلى الجنة ؟ فإن الجنة لا خطر لها, هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز, وقصر مشيد, ونهر مطرد, وثمرة نضيجة, وزوجة حسناء جميلة. وحلل كثيرة, ومقام في أبد في دار سليمة, وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة في محلة عالية بهية» قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها, قال: «قولوا إن شاء الله» فقال القوم: إن شاء الله, رواه ابن ماجه. وقوله تعالى: {ورضوان من الله أكبر} أي رضا الله عنهم أكبر وأجل وأعظم مما هم فيه من النعيم, كما قال الإمام مالك رحمه الله عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم ؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك, فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ فيقولون يا رب وأي شيء أفضل من ذلك ؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً» أخرجاه من حديث مالك, وقال أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي: حدثنا الفضل الرجائي, حدثنا الفريابي عن سفيان عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله عز وجل هل تشتهون شيئاً فأزيدكم ؟ قالوا يا ربنا ما خير مما أعطيتنا ؟ قال: رضواني أكبر» ورواه البزار في مسنده من حديث الثوري, وقال الحافظ الضياء المقدسي في كتابه صفة الجنة: هذا عندي على شرط الصحيح, والله أعلم.